انضم الى قائمتنا البريدية:
البريد الالكتروني:    
تم التسجيل بنجاح.. شكرا لك.
تسجيل
البحث:
الاربعاء, 17 يوليــو 2019 - 14:32
في العمق
حجم الخط :
مواقع الصناعة الفحم في أطراف مدينة الكوت مركز محافظة واسط
بعد أعباء الدُخان ..المستورد والركود الاقتصادي يُضيّقان على الفحّامَة في واسط


الكاتب: AB ,BS ,JB
المحرر: AB ,BS
2016/04/27 13:41
عدد القراءات: 70643


 

المدى برس / واسط

بعد أكثر من سبعة عقود من الزمن في صناعة الفحم النباتي حيث أعباء الدخان وروائح الغازات، جاء الفحم المستورد والركود الاقتصادي لـ"يخنقا" معيشة فحامي محافظة واسط، ليتراجع معدل بيع الفحم المحلي خلال الشهر الواحد من 4000 كيس إلى أقل من 100.

عدد العاملين في هذه المهنة من أبناء المحافظة انخفض ليصل إلى بضعة أشخاص يتخذون من منطقة تقع مابين الطريق الحولي وغابة الكوت الصناعية، شمالي المدينة، مكاناً لعملهم حيث يلوح في الأفق الدخان المنبعث من مواقع حرق الخشب، الذي بات شحيحاً ليزيد معاناتهم، كما يؤكد الفحّام عايد صالح.

ويقول صالح الذي توارث هذه المهنة عن أبيه وجده، إن "صناعة الفحم من الأشجار ليست بالعمل السهل ذي المردود المادي الكبير، بقدر ما فيها من مخاطر وأضرار على صحة ممتهنيها الذين يتعرضون لأمراض ضيق التنفس باستمرار، إضافة إلى الأمراض الجانبية الأخرى".

ويضيف صالح الذي لم يتجاوز العقد الرابع من العمر في حديث إلى (المدى برس)، أن "صناعة الفحم على الرغم من مخاطرها الكثيرة لكنها، تبقى خياراً أفضل من البطالة "، عاداً أن "مزاولي هذه الصناعة ليس أمامهم خيار غير مواصلة العمل بها، رغم ما يواجهوه من مصاعب، كونهم لا يجيدون غيرها".

قلة الأشجار والدخل معاً

شح الأشجار المادة الأساسية في صناعة الفحم، أدى بدوره إلى تراجع إنتاج الفحم المحلي، ما ضاعف معاناة مزاولي تلك الصناعة، وقلص دخلهم المعيشي، كما يكشف محمود الفحام.

الفحّام يقول في حديث إلى (المدى برس)، إن "إحدى المشاكل التي تزيد من معاناتهم تتمثل بشح المادة الأساسية في صناعة الفحم وهي الأشجار، التي لم تعد متوفرة كما في السابق، ما أدى إلى تراجع إنتاج الفحم المحلي، وقلص دخل صناعتهم".

ويضيف ذو الـ44 عاماً، أن "الفحم يصنع من مختلف الأشجار، لكن الظروف الحالية وعدم وجود غابات كبيرة في المحافظة، دفعتنا إلى البحث عن الأشجار الطبيعية التي تنمو على ضفاف الأنهار ومنها شوك البحر، الذي نضطر إلى جمعه من أماكن بعيدة، حيث تكلف عملية نقله مبالغ إضافية".

صناعة بدائية بمفاهيم تقليدية

صناعة الفحم بدأت بطرق بدائية واستمرت بمفاهيم تقليدية حتى اليوم، اعتماد الصناعة على العمل اليدوي وعدم تطوير أساليبها، قطع الطريق أمام إمكانية تحسين نوعية الفحم المحلي وتجنب الأضرار البيئية والصحية الناجمة عن صناعته.

ويقول الفحّام مجيد فيصل في حديث إلى (المدى برس)، إن "أولى مراحل صناعة الفحم تتم من خلال جمع الأشجار ومن ثم تقطيعها باستخدام المنشار اليدوي أو الفأس أحياناً، بحيث لا يزيد طول القطعة الواحدة عن متر، تعقبها عملية جمع تلك الأخشاب في الحفرة المخصصة لعملية الحرق"، عاداً تلك المرحلة "الأصعب والأشد خطراً على ذوي المهنة".

ويضيف الفحّام الواسطي، أن "تلك المرحلة تتمثل بوضع الأخشاب المقطعة في حفرة كبيرة ومن ثم تغطيتها بالتراب، لتحرق من الداخل مع ترك فتحة صغيرة في الغطاء، حيث تبدأ مرحلة صناعة الفحم أو ما تسمى عملية التقطير التي تستمر، أياماً عدة حسب نوعية الخشب"، مبيناً أن "الفحم الناتج يحتاج لمدة تتراوح من يوم واحد إلى يومين، ليبرد ويكون جاهزاً للتعبئة في الأكياس المخصصة".

ويكشف ذو الـ34 عاماً، أن "الطن الواحد من أخشاب ينتج ما يقارب الثلاثة أرباع الطن من الفحم، وربما أقل"، لافتاً الى أن "ذلك يرتبط بنوعية الخشب، حيث يكون البعض منه قابلاً للحرق بسرعة وخفيف الوزن، فيما تعطي بعض الأشجار فحماً ثقيلاً وذات نوعية جيدة تستمر في الحرق طويلاً".

ويؤكد فيصل، أن "صناعة الفحم لم تشهد أي تطور، حيث بدأت بتلك الطريقة البدائية، ولا تزال تمر بمفاهيم تقليدية"، عاداً أن "ذلك يحول دون تحسين المردود المادي للصناعة وتحسين نوعية الفحم المحلي، وتجنيب الفحامين الأضرار الصحية الناجمة عن تلك الصناعة".

مهنة "حرة ومرّة" دفع إليها الإقطاع

صناعة الفحم المحلي بدأت خلال أربعينات القرن الماضي، بعد أن ترك بعض الفلاحين الزراعة ولجأوا إلى سبل أخرى لجني أرزاقهم، هرباً من الإقطاع، حيث كانت مهنة حرق الخشب على الرغم من "مرارتها" أحد تلك السبل، كما يروي مخضرمو المهنة. 

ويقول سمير بشير في حديث إلى (المدى برس)، إن "مهنة الفحّامة على ما فيها من مرارة وألم، ولدت كمهنة حرة خلال أربعينات القرن الماضي"، عاداً أن "تلك المهنة كانت أحد السبل التي لجأ إليها الفلاحون لتجنب ضغوط وابتزاز الإقطاع".

ويوضح بشير الذي أمضى أكثر من 40 عاماً في صناعة الفحم، أن "تحكم الإقطاعيين ذوي الأراضي الواسعة، بالناس واستخدامهم، مقابل أجر زهيد أو كمية قليلة من الإنتاج، دفع بعض الفلاحين آنذاك إلى ترك مهنة الزراعة، واللجوء إلى مهن أخرى ومنها مهنة حرق الخشب وصناعة الفحم".

لم نسلم من الاستيراد رغم المعاناة وقلة الدخل

ويستخدم الفحم في الغالب من قبل أصحاب المطاعم والمقاهي الشعبية، بالإضافة إلى استخدامه أحياناً من قبل بعض العائلات في الشواء المنزلي أو السفرات الترفيهية، إلا أن أصحاب هذه المهنة يشعرون بكساد بضاعتهم في الوقت الحاضر، عازين ذلك إلى الاستيراد.

ويقول بائع الفحم محمد مخليف الحسيني، إن "معدل بيع الفحم خلال الشهر الواحد كان سابقاً يتجاوز الـ4000 كيس، زنة كل كيس 14 كيلو غراماً"، مبينا أن "عملهم كان يشمل أيضاً تجهيز بعض المحافظات بالفحم وبكميات كبيرة أسبوعياً، مثل البصرة وبغداد".

ويضيف الحسيني، الذي ورث عمله عن والده الذي بدأه قبل أكثر من 50 عاماً، أن "معدل البيع تراجع في الوقت الحاضر ليصل إلى نحو 100 كيس شهرياً"، عازياً ذلك إلى "دخول الفحم المستورد الذي ملأ الأسواق التجارية، ومن مناشئ مختلفة".

ويبيّن الحسيني، أن "الفحم المستورد يمتاز بالنقاء على خلاف الفحم الصناعي، إضافة إلى خلوه من المواد الكيمياوية، مما جعله مفضلاً بالرغم من كونه غير اقتصادي لأصحاب المطاعم والمقاهي، بسبب خفة وزنه التي تجعله أشبه بمادة الفلين"، لافتاً إلى أن "بعض مستخدمي الفحم المستورد لا يدركون ذلك، فيما عاد البعض إلى استخدام الفحم المحلي بعد إدراك تلك الحقيقة".

وحمل التاجر الواسطي، الضائقة المالية وضعف السيولة النقدية جزءاً من مسؤولية تراجع المردود المادي لتجارته، مؤكداً أن "طلب العائلات على الفحم كان يشكل سابقاً نحو 30% من مجمل الطلب، في حين لا يتعدى هذا الطلب حالياً نسبة 5%".

البيئة تخشى تحطيب الغابات وتحذّر من الدخان

دائرة بيئة محافظة واسط، عدت أن تحطيب الغابات سيؤدي إلى زيادة المناطق الصحراوية وإنهاء وجود مصدات الرياح، فيما حذرت من المخاطر الصحية الناجمة عن الدخان الناتج عن عملية الحرق.

ويقول ممثل بيئة واسط سعد تركي، إن "صناعة الفحم بطرق الحرق التقليدية تنطوي على الكثير من المخاطر والأضرار البيئية، وفي مقدمتها تحطيب الغابات، مما يزيد من المناطق الصحراوية وينهي وجود مصدات الرياح".

ويضيف تركي في حديث إلى (المدى برس)، أن "أماكن حرق الأشجار لغرض صناعة الفحم تشهد دائماً انتشار الدخان والغازات المضرة"، مؤكداً أن "تلك الغازات لها أضرار كبيرة على صحة الأشخاص، خاصة في المناطق القريبة من أماكن الحرق، إضافة إلى الخطر الكبير على صحة العاملين في صناعة الفحم، كونهم عرضة لتلك الغازات أكثر من غيرهم".

ويوضح ممثل بيئة واسط، أن "انبعاث الغازات وبكثافة من مواقع صنع الفحم له أيضاً مخاطر على المناطق الزراعية القريبة، بسبب مادة الكاربون المنبعثة وما تسببه من ضرر على النباتات"، داعياً العاملين في صناعة الفحم إلى "استخدام الكمامات الواقية والأقنعة لتقليل المخاطر والآثار السلبية التي يتعرضون لها جراء عمليات الحرق".

تأثيرات صحية تؤدي إلى الوفاة

المخاطر الصحية التي يتعرض لها العاملون في صناعة الفحم قد تصل إلى الموت نتيجة الإصابة بأمراض التنفس أو السرطان، كما يؤكد أخصائي الأمراض الصدرية.

ويقول الدكتور ضياء عبد السلام في إلى (المدى برس)، إن "الضرر الرئيس من صناعة الفحم ينتج من الاستنشاق للغازات المنبعثة من عملية الحرق، حيث يؤدي تفاعل أكاسيد الكبريت الناتج عن عملية الحرق إلى حصول التهابات في القصبات الهوائية".

ويضيف عبد السلام، أن "الغازات الهيدروكاربونية الناتجة عن تلك العملية من شأنها أن تؤدي إلى حدوث أمراض سرطانية بين العاملين في صناعة الفحم"، مبيناً أن "غاز أول أكسيد الكربون الناتج عن حرق الفحم يؤدى إلى التسمم الحاد والصداع والغثيان وحدوث حالات الفشل التنفسي، كما أن زيادة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون يؤدي إلى فقدان الوعي والوفاة".

ويؤكد أخصائي الأمراض الصدرية، أن "الخطر الناجم عن صناعة الفحم لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه حيث يؤدي استعماله في الاراكيل إلى تهييج الجهاز التنفسي وبالتالي الإصابة بنوبة سعال أو نوبة ربوية، خاصة للمصابين بالربو القصبي أو ضيق التنفس"، لافتاً إلى أن "هذه الأعراض قد تؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للشخص، وربما تسبب الوفاة".

اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق: